الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
31
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
في الذكاة ، ولا كونها شرطا أو غير شرط بله حكم نسيانها . وإن جعلنا هذا المقصد بمنزلة سبب للنّزول ، واعتددنا بالموصول صادقا على كلّ ما لم يذكر اسم اللّه عليه ، كانت الآية من العامّ الوارد على سبب خاصّ ، فلا يخصّ بصورة السّبب ، وإلى هذا الاعتبار مال جمهور الفقهاء المختلفين في حكم التّسمية على الذّبيحة . وهي مسألة مختلف فيها بين الفقهاء على أقوال : أحدها : أنّ المسلم إن نسي التّسمية على الذبح تؤكل ذبيحته ، وإن تعمّد ترك التّسمية استخفافا أو تجنّبا لها لم تؤكل ( وهذا مثل ما يفعله بعض الزّنوج من المسلمين في تونس وبعض بلاد الإسلام الّذين يزعمون أنّ الجنّ تمتلكهم ، فيتفادون من أضرارها بقرابين يذبحونها للجنّ ولا يسمّون اسم اللّه عليها ، لأنّهم يزعمون أنّ الجنّ تنفر من اسم اللّه تعالى خيفة منه ، ( وهذا متفشّ بينهم في تونس ومصر ) فهذه ذبيحة لا تؤكل . ومستند هؤلاء ظاهر الآية مع تخصيصها أو تقييدها بغير النّسيان ، إعمالا لقاعدة رفع حكم النّسيان عن النّاس . وإن تعمّد ترك التّسمية لا لقصد استخفاف أو تجنّب ولكنّه تثاقل عنها ، فقال مالك ، في المشهور ، وأبو حنيفة ، وجماعة ، وهو رواية عن أحمد : لا تؤكل . ولا شكّ أنّ الجهل كالنّسيان ، ولعلّهم استدلّوا بالأخذ بالأحوط في احتمال الآية اقتصارا على ظاهر اللّفظ دون معونة السياق . الثّاني : قال الشّافعي ، وجماعة ، ومالك ، في رواية عنه : تؤكل ، وعندي أنّ دليل هذا القول أنّ التّسمية تكملة للقربة ، والذكاة بعضها قربة وبعضها ليست بقربة ، ولا يبلغ حكم التّسمية أن يكون مفسدا للإباحة . وفي « الكشاف » أنّهم تأوّلوا ما لم يذكر اسم اللّه عليه بأنّه الميتة خاصّة ، وبما ذكر غير اسم اللّه عليه . وفي « أحكام القرآن » لابن العربي ، عن إمام الحرمين : ذكر اللّه إنّما شرع في القرب ، والذبح ليس بقربة . وظاهر أنّ العامد آثم وأنّ المستخفّ أشدّ إثما . وأمّا تعمّد ترك التّسمية لأجل إرضاء غير اللّه فحكمه حكم من سمّى لغير اللّه تعالى . وقيل : إن ترك التّسمية عمدا يكره أكلها ، قاله أبو الحسن بن القصّار ، وأبو بكر الأبهري من المالكيّة . ولا يعدّ هذا خلافا ، ولكنّه بيان لقول مالك في إحدى الرّوايتين . وقال أشهب ، والطبري : تؤكل ذبيحة تارك التّسمية عمدا ، إذا لم يتركها مستخفا . وقال عبد اللّه بن عمر ، وابن سيرين ، ونافع ، وأحمد بن حنبل ، وداود : لا تؤكل إذا لم يسمّ عليها عمدا أو نسيانا ، أخذا بظاهر الآية ، دون تأمّل في المقصد والسّياق . وأرجح الأقوال : هو قول الشّافعي . والرّواية الأخرى عن مالك ، إن تعمّد ترك التّسمية تؤكل ، وأنّ الآية لم يقصد منها إلّا تحريم ما أهل به لغير اللّه بالقرائن الكثيرة التي